أحمد بن محمود السيواسي
286
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) ( وَلَوْ تَرى ) يا محمد ( إِذِ الْمُجْرِمُونَ ) أي المشركون ( ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ ) أي مطأطئوها حياء وخجلا وندما ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) يوم القيامة لرأيت أمرا عظيما لا يدرك وصفه ، ويجوز أن يكون « لَوْ » للتمني ، أي ليتك تراهم على تلك الحالة الردية الفظيعة من الخزي والغم لتشمت بهم أو هو خطاب عام ، فثم يقولون ( رَبَّنا أَبْصَرْنا ) معاصينا ( وَسَمِعْنا ) قول الرسل ( فَارْجِعْنا ) إلى الدينا ( نَعْمَلْ ) عملا ( صالِحاً ) فيها ( إِنَّا مُوقِنُونَ ) [ 12 ] بما أنكرنا ثمة من البعث ، وقيل معناه : قد آمنا وأيقنا بالقيامة ولكن لا ينفعهم « 1 » ، فقال تعالى ( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) أي رشدها على طريق القسر والإلجاء ولكنا بنينا الأمر على الاختيار دون الاضطرار فاستحبوا العمى على الهدى ( وَلكِنْ حَقَّ ) أي وجب ( الْقَوْلُ ) بالوعيد على أهل العمى ( مِنِّي ) وهو ( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) [ 13 ] أي من كفارهما . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 14 ] فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) ( فَذُوقُوا ) أي قلنا لهم يوم القيامة ذوقوا العذاب ( بِما نَسِيتُمْ ) أي بسبب نسيانكم وذهولكم بالشهوات عن تذكر العاقبة أو النسيان بمعنى الترك ، أي بسبب ترككم ( لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) يعني يوم القيامة والاستعداد له ( إِنَّا نَسِيناكُمْ ) أي جازيناكم جزاء نسيانكم وتركناكم في النار كما تركتم العمل بطاعتنا لهذا اليوم ( وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ ) أي الدائم في جهنم ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 14 ] من الكفر والمعاصي الموبقة . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 15 ] إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) ثم قال تعالى مخبرا عن حال المخلصين من عباده ( إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا ) أي وعظوا ( بِها ) أي بتلك الآيات ( خَرُّوا سُجَّداً ) في الصلاة أو سجدوا تواضعا للّه وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام ( وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) أي نزهوا اللّه من نسبة القبائح إليه واثنوا عليه حامدين أو صلوا بأمره ( وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) [ 15 ] عن الإيمان والطاعة . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 16 ] تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) قوله ( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ) نزل في المتهجدين « 2 » ، أي تبعد وترتفع جنوبهم عن الفرش والوساد لترك النوم ( يَدْعُونَ ) أي داعين ( رَبَّهُمْ ) يعني عابدين له ( خَوْفاً وَطَمَعاً ) أي لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته أو خوفا من القطيعة وطمعا في الوصل ( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) [ 16 ] أي يتصدقون طوعا . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 17 ] فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 ) ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ) « ما » استفهام ، مبتدأ و « أُخْفِيَ لَهُمْ » مجهولا خبره ، والضمير في « أُخْفِيَ » راجع إلى « ما » ، والجملة في محل النصب ب « تَعْلَمُ » سد مسد المفعولين ، وقرئ « ما أخفي » بسكون اللام « 3 » على البناء للفاعل مستقبلا وهو اللّه تعالى ، و « ما » بمعنى الذي عامله « تَعْلَمُ » أو بمعنى أي شيء ، عامله « أُخْفِيَ » ( مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) « 4 » هي ما تقر به أعينهم وتسكن إليه أنفسهم في محل النصب حال من فاعل « أُخْفِيَ » ، والمعنى : لا تعلم نفس ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع من الثواب ادخر اللّه لأولئك وأخفاه « 5 » من جميع خلائقه ثم
--> ( 1 ) اختصر المصنف هذا المعنى من السمرقندي ، 3 / 30 . ( 2 ) عن الحسن ومجاهد ، انظر الواحدي ، 291 ؛ والبغوي ، 4 / 423 ؛ والكشاف ، 5 / 28 . ( 3 ) « أخفي » : قرأ حمزة ويعقوب باسكان الياء ، والباقون بفتحها ولا خلاف بينهم في ضم الهمزة وكسر الفاء . البدور الزاهرة ، 253 . ( 4 ) أي ، ح : - وي . ( 5 ) أخفاه ، و : اخفاءه ، ح ي ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 28 .